اكتشاف علمي ومؤتمر مهم :



ظل الاعتقاد السائد منذ سنوات أن خلايا المخ قد ضمرت لسبب أو لآخر لا يمكن تجديدها وأحد أهم أسباب ضمورها كان مرض الاكتئاب‏,‏ ولكن العلم تطور بشكل مذهل في هذا المجال واكتشف أن المخ لديه القدرة علي تجديد خلاياه مرة أخري إذا تمت إحاطة المريض بنسيج اجتماعي صحي‏,‏ هذه البشري حملها الدكتور أحمدعكاشة رئيس الجمعية العالمية للطب النفسي خلال ندوة علمية اقيمت بمدينة الأقصر ضمت‏70‏ طبيبا متخصصا وبمشاركة الدكتور أيان هايندمارش أستاذ علم العقاقير النفسية ورئيس مركز الأبحاث الطبية بجامعة سوراي بانجلترا‏,‏ كما حملت الندوة عدة أخبار واكتشافات حديثة عن اضطرابات الاكتئاب‏,‏ وطرق علاجه وزيادة فرص تعرض المرأة للإصابة به‏,‏ ومدي انتشاره في العالم‏,‏ وأهم أعراضه وأسبابه وانعكاساته علي أداء الإنسان اجتماعيا‏,‏ والاكتشافات الحديثة في مجال العقاقير النفسية التي حسنت قدرات الإدراك للمريض المكتئب‏.‏
ويقول الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي رئيس أطباء النفس في العالم إن التطور الهائل في مجال العلوم العصبية أدي إلي اكتشاف مرونة المخ ـ قدرته علي التكيف مع الأحوال الأخري ـ كما أثبتت الدراسات الخاصة بتصوير المخ والمناطق العصبية أن هناك تجاوبا ـ تجديدا ـ في التكوينات العصبية من خلايا واتصالات عند استعمال العقاقير والعلاج النفسي‏,‏ بينما قد يحدث لها ضمور في حالة التعرض للكروب والاضطرابات النفسية‏,‏ وأوضح أن الفكرة السائدة كانت تفيد بأن الخلايا العصبية والجنسية إذا حدث بها تلف أو خلل فلا تتجدد‏,‏ ولكن في السنوات الخمس الأخيرة اكتشف أن هناك مدونة في المخ بمعني قدرة المخ العجيبة علي التكيف والتغير سواء في الخلايا أو في النسيج أو في الاتصالات أو في الكيمياء لمواجهة كروب وشدة الحياة والأمراض المختلفة‏,‏ ووجد أن الإنسان إذا تعرض لكرب أو ضغط أو إحباط شديد فإن هذا يسبب ضمورا للخلايا‏,‏ وكلما كان الإنسان محاطا بنسيج اجتماعي صحي فإن ذلك يمكن أن يزيد خلايا المخ وهذا يعني قدرة أكبر علي التعلم والتركيز والتذكر والتحلي بمزاج أفضل وقدرة علي التكيف مع مشاكل وكروب الحياة‏,‏ كما أن الاعتماد علي العقاقير المضادة للكروب يمكن أن تمنع حدوث الضمور‏.‏

وأما عن سبب ارتفاع نسب إصابة المرأة في الدول المتقدمة والنامية بالاكتئاب بحلول عام‏2020‏ يقول الدكتور طارق عكاشة أستاذ مساعد الطب النفسي بكلية طب جامعة عين شمس إن الأمراض المزاجية تصيب المرأة بصفة عامةضعف الرجل لانها تتعرض إلي تغيرات ومؤثرات كثيرة مثلا عند البلوغ يحدث لها تغير وتتعرض للدورة الشهرية‏,‏ كما أن هرمون الأنوثة الاستروجين له علاقة كبيرة جدا بالحماية ليس فقط للقلب‏,‏ ولكن للمزاج وعند توقف هذا الهرمون تكون عرضة للاكتئاب والمرأة بدأت تعمل مثل الرجل‏,‏ ولكن يزيد عن ذلك بكل اعمال المنزل‏,‏ وبالتالي فهي عرضة لاجهاد شديد جدا‏.‏
وعن سبب تزايد عدد حالات الاكتئاب بشكل عام أوضح الدكتور أحمد عكاشة أن أمراض الاكتئاب تمثل أعلي نسبة عبء في جميع الأمراض العقلية إذ يسبب وحده‏3.17%‏ من جميع الأمراض العقلية‏,‏ وهناك ما لا يقل عن‏200‏ مليون مكتئب في العالم‏,‏ ويبلغ معدل انتشار المرض في مصر‏4.11%‏ في المناطق المتمدينة‏,‏ بينما تصل النسبة إلي‏7.19%‏ في المناطق الريفية‏,‏ فهو بذلك من أكثر الأمراض انتشارا وسوف يزداد في العقد المقبل لزيادة متوسط عمر الإنسان مما يسبب إصابته بأمراض مختلفة باطنية فيضطر لتناول الأدوية‏,‏ والتي يسبب‏60%‏ منهااكتئابا‏,‏ وعدم تكاتف الأسرة والوحدة بسبب هجرة الاولاد للرزق تسبب الاكتئاب‏,‏ والازدحام في المدن يسبب الاكتئاب‏,‏ وسوف تزداد الوحدة في المستقبل بسبب الاعتماد علي التكنولوجيا‏,‏ واخيرا قلة الإيمان في العالم وعدم الارتباط بالله يزيد من الاكتئاب‏.‏

وأشار إلي أن من أحدث ما تم اكتشافه في مجال العلاج هو أدوية الاكتئاب التي توقف ضمور الخلايا العصبية في المخ وتزيد من الاتصالات الموجودة في النسيج العصبي مما يجعل الإنسان في حالة مزاجية أفضل‏,‏ وهناك عقاقير جديدة سوف تطرح في السوق قريبا تعمل علي الهرمون المؤثر علي الكرب‏,‏ ويسمي هذا الهرمون سي ـ آر ـ إف‏,‏ فهناك نظرية جديدة تقول إن كل الأمراض النفسية سببها كروب مختلفة تتراكم علي الإنسان والأدوية الجديدة عبارة عن مضادات لهرمون الكرب‏,‏ وهذه الاكتشافات الجديدة سوف تقلب الموازين لأن كروب الحياة في ازدياد مستمر‏,‏ ومن أهم مايميز العلاج الجديد أنه لا يسبب إدمانا أو اعتمادية‏,‏ وحالات الكرب والقلق والاكتئاب تزيد من نسب إصابة الإنسان بجلطة القلب أربع مرات فإذا أصيب شخص بجلطة القلب وكان معه اكتئاب فاحتمال الوفاة يصل إلي‏17%‏ وبدون اكتئاب‏3%,‏ وأضاف أن فرص الشفاء من الاكتئاب تصل إلي‏85%‏ مع توافر فرص الانتكاسة ويكون مزمنا في نحو‏15%.‏
وتحدث الدكتور أيان هايندمارش أستاذ علم العقاقير النفسية ورئيس مركز الأبحاث الطبية بجامعة سوراي بانجلترا عن أعراض وأسباب الاكتئاب وانعكاساته علي أداء الإنسان في حياته الدراسية والاجتماعية وتأثير الاكتئاب السلبي علي الأداء الوظيفي لأجهزة الجسم‏,‏ والاكتشافات الحديثة في مجال العقاقير النفسية والتي أثبتت بعد اختبارها تحسنا ملحوظا في زيادة قدرات الإدراك للمريض المكتئب وعودته مرة أخري لممارسة حياته الأسرية بشكل طبيعي‏,‏ حيث وجد أن الطلبة في عمر الدراسة المصابين باكتئاب جسيم يعانون ضعفا في قدراتهم الادراكيةمما نتج عنه ضعف في الأداء الدراسي مقارنة بأقرانهم الذين لا يعانون نفس المرض‏,‏ وكذلك بالنسبة لكبار السن‏,‏ وجد أن‏70%‏ من مرضي الاكتئاب الكبار في السن يعانون من مشكلات ادراكية واضحة‏,‏ وهذه النتائج أوضحت أهمية العوامل الادراكية وعلاقة العقاقير المستخدمة في العلاج بحدوثها‏.‏

وأوضح أنه ظهرت عقاقير حديثة تعرف بموانع امتصاص السيرتونين الانتقائي‏,‏ وتتميز بقلة اثارها الجانبية‏,‏ فلا تسبب النعاس او اضطراب الذاكرة او اختلال التوازن والسقوط‏,‏ مما يجعل المريض يتقبل العلاج بشكل أفضل‏,‏ وقدرتها تكون كبيرة‏,‏ كما أن الأدوية الحديثة تحسن من الوظيفة الجنسية التي تعتمد بشكل أساسي علي سلامة الجهاز الإدراكي‏.‏
ويقول الدكتور سعيد عبدالعظيم محمد أستاذ الطب النفسي جامعة القاهرة إن الاكتئاب يسبب العجز الكامل للإنسان لأنه مرض يصيب كيمياء المخ ويؤدي إلي فقد الانسان الرغبة في العمل والحياة و الاهتمام بكل شيء‏,‏ ومن أهم ما ناقشته الندوة هو ضرورة اكتشاف وعلاج المرض وتجنب زواج الاقارب لان له سمة وراثية‏,‏ وتنفيذ تعليمات العلاج الذي قد يمتد الي سنة‏,‏ فقد اظهرت الدراسات المستمرة ان التحسن المبكر لايعني ترك العلاج حتي لاتحدث انتكاسه‏,‏ خاصة ان المرض عندما يعاود صاحبه مرة اخري ويستمر فيمكن ان يفقد حياته لانه عندما يشتد يعطي كل الشعور بان الحياة اصبحت لاقيمة لها وقد يفكر افكارا سلبية وتزيد الرغبة في الموت والانتحار‏.‏

واضاف ان اسباب المرض النفسي والاكتئاب في اغلب الناس تعود الي استعداد قد يكون وراثيا او بعد فترة الحمل واثناء الوضع‏,‏ والاكتئاب مرض عضوي يحدث نتيجة اختلال كيمياء الجسم فتنخفض مستويات مواد مثل السيروتينين والكاتيكولامين والدوبامين مما يصيب الانسان بالمزاج الحزين والمكتئب والادوية الحديثة وظيفتها اعادة مستويات تلك المواد الي طبيعتها وهذا ما يفسر ان الشفاء لايتم سريعا‏,‏ ولقد اثبتت الاحصائيات ان ثلث المكتئبين يتحسنون بعد اول اصابة‏,‏ وكثير من الناس لايعاودهم الاكتئاب مرة ثانية‏,‏ وهناك ثلث اخر يعاوده المرض بعد حين وهذا هو الاكتئاب المتردد‏,‏ وهناك الثلث الاخير وهو الاكتئاب المزمن الذي يبدأ ولا ينتهي وعندما يتوقف عن العلاج تعاوده الاعراض فورا‏,‏ وهؤلاء اكثر من استفادوا من العلاجات الحديثة التي تعمل علي تحسين حياة المريض بما لا يشعره او يشعر الاخرين بأنه مريض‏,‏ ولذلك فإن المرضي النفسيين يمكنهم العودة الي المجتمع وتأدية عملهم كمواطنين عاديين‏.‏
ويقول الدكتور عادل شعشاع رئيس وحدة الطب النفسي بكلية طب جامعة الاسكندرية‏,‏ ان من اهم طرق علاج مريض الاكتئاب العلاج النفسي ويشمل مناقشة المريض‏,‏ والربط بين الأعراض النفسية والعضوية‏,‏ والعلاج المعرفي هو جزءا من العلاج النفسي بان يتحمل المريض جزء من المشكلة ويعيش في واقعه بمعني انه يكون موجودا في الوقت والمكان والمضبوطين بحيث لا يكون في الماضي او المستقبل الخاص به‏,‏ وهناك العلاج الكيميائي فاكتشفت المواد المضادة للاكتئاب وتبعتها اكتشافات عديدة الي ان تم التوصل الي معادلة الدوبامين والسيروتنين في مريض الاكتئاب مما ادي لاكتشاف المواد الكيميائية المسماه بمضادات الاكتئاب التي تعمل علي مادة السيروتونين وهناك مستقبل يبشر بالخير باكتشاف انواع اخري من مضادات الاكتئاب تعمل من داخل الخلية نفسها‏,‏ وهناك نوعان من الاكتئاب احدهما مصاحب بالوخم واخر بالقلق‏,‏ ومن هنا يوجد نوعان لمضادات الاكتئاب الاول يؤدي الي عملية تعادلية للمزاج وبالتالي رفع الحالة المزاجية للمريض الي الطبيعية مع تنشيط حالته السلوكية‏,‏ والعكس صحيح فالمريض المكتئب ومعه نوع من القلق والحركة الزائدة يحتاج الي مطمئنات او مهدئات‏.‏


وكله بأذن الله سبحانه